فخر الدين الرازي
396
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
ومنهم من يقول : الخلف المستعمل في الذم مأخوذ من الخلف ، وهو الفساد ، يقال للرديء من القول خلف ، ومنه المثل المشهور سكت ألفاً ونطق خلفاً ، وخلف الشيء يخلف خلوفاً وخلفاً إذا فسد / وكذلك الفم إذا تغيرت رائحته . وقوله : يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى قال أبو عبيدة جميع متاع الدنيا عرض بفتح الراء ، يقال الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر ، وأما العرض بسكون الراء فما خالف العين ، أعني الدراهم والدنانير وجمعه عروض ، فكان كل عرض عرضاً وليس كل عرض عرضاً ، والمراد بقوله : عَرَضَ هذَا الْأَدْنى أي حطام هذا الشيء الأدنى يريد الدنيا وما يتمتع به منها ، وفي قوله : هذَا الْأَدْنى تخسيس وتحقير ، و الْأَدْنى إما من الدنو بمعنى القرب لأنه عاجل قريب ، وإما من دنو الحال وسقوطها وقلتها . والمراد ما كانوا يأخذونه من الرشا في الأحكام على تحريف الكلام . ثم حكى تعالى عنهم أنهم يستحقرون ذلك الذنب ويقولون سيغفر لنا . ثم قال : وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ والمراد الأخبار عن إصرارهم على الذنوب . وقال الحسن هذا إخبار عن حرصهم على الدنيا وأنهم لا يستمتعون منها . ثم بين تعالى قبح فعلهم فقال : أَ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أي التوراة أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قيل المراد منعهم عن تحريف الكتاب وتغيير الشرائع لأجل أخذ الرشوة ، وقيل : المراد أنهم قالوا سيغفر لنا هذا الذنب مع الإصرار ، وذلك قول باطل . فإن قيل : فهذا القول يدل على أن حكم التوراة هو أن صاحب الكبيرة لا يغفر له . قلنا : أنهم كانوا يقطعون بأن هذه الكبيرة مغفورة ، ونحن لا نقطع بالغفران بل نرجو الغفران ، ونقول : إن بتقدير أن يعذب اللَّه عليها فذلك العذاب منقطع غير دائم . ثم قال تعالى : وَدَرَسُوا ما فِيهِ أي فهم ذاكرون لما أخذ عليهم لأنهم قد قرءوه ودرسوه . ثم قال : وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ من تلك الرشوة الخبيثة المحقرة أَ فَلا يَعْقِلُونَ . أما قوله تعالى : وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ يقال مسكت بالشيء وتمسكت به واستمسكت به وامتسكت به ، وقرأ أبو بكر عن عاصم يُمَسِّكُونَ مخففة والباقون بالتشديد . أما حجة عاصم فقوله تعالى : فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ [ البقرة : 229 ] وقوله : أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ [ الأحزاب : 37 ] وقوله : فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ [ المائدة : 4 ] قال الواحدي : والتشديد أقوى ، لأن التشديد للكثرة وهاهنا أريد به الكثرة ، ولأنه يقال : أمسكته ، وقلما يقال أمسكت به . إذا عرفت هذا فنقول : في قوله : وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ قولان : القول الأول : أن يكون مرفوعاً بالابتداء وخبره إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ والمعنى : إنا لا نضيع أجرهم وهو كقوله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا [ الكهف : 30 ] وهذا الوجه حسن لأنه لما ذكر وعيد من ترك التمسك بالكتاب أردفه بوعد من تمسك به . والقول الثاني : أن يكون مجروراً عطفاً على قوله : الَّذِينَ يَتَّقُونَ ويكون قوله : إِنَّا لا نُضِيعُ / زيادة مذكورة لتأكيد ما قبله . فإن قيل : التمسك بالكتاب يشتمل على كل عبادة ، ومنها إقامة الصلاة فكيف أفردت بالذكر ؟